أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

11

شرح مقامات الحريري

وافتنانه ، والإكثار من الشعر في مظانه من الجد والهزل في المواضع اللائقة باستحسانه ، ومقابلة كل باب بما يزيد في حسنه وبيانه ، والجري مع أبي محمد حسب اتساع خطوه وامتداد ميدانه . ومن تمام التصنيف ردّ الفرع إلى أصله ، والجمع في الترتيب بين الشكل وشكله ، فأتبعت المواعظ بما يزيدها أثرا في القلوب ، وأردفت المسليات بما يعينها في إجلاء الكروب ، وسلكت هذه المسالك في سائر الأساليب وأنواع الضروب ؛ فإن وجد هذا الكتاب لفظ ظاهر الهزل أو معنى ينسب فيه إلى العذل ؛ من وصف نور وثمر وذكر نديم وخمر أو نعت حسن وحسن أو مدح سماع وأذن ، فلأن أبا محمد بدأ بأمر فتمم ، وخص نوعا فعمم مع أن صنعة الأدب مبنية على الملح ، وخواطر الأدباء جائشة بما سنح ، فجاء من هذا الترتيب الغريب ، ما يضرب في الإجادة بسهم مصيب ، ويثبت لي في الجدّ والدءوب أوفر نصيب . ثم رأيت الشارحين لها من أولى البصر كالفنجديهيّ وابن ظفر قد جردوا من شروحهم مختصرات وجيزة . ، اقتصروا فيها على إيراد اللغات ، فحذوت حذوهم في مختصر أوردتها فيه على الكمال ، ووفّيتها حقها من رفع الغلط وكشف الإشكال ، ولم أخلّ في تصريفها واشتقاقها بوجه من الوجوه ولا حال من الأحوال فجاء غاية في هذا الباب ، مغنيا في اللغات الغريبة عن كل كتاب ؛ فإن فاته هذا الأصل بضروب من الإفادات وأنواع من الزيادات ، فلذلك الفرع شفوف الاستيعاب في اللغات ، ومزية الاشتقاق والتصريف والشاهد من الشعر والآيات . وكل ذلك بلطف اللّه تعالى ، وبسعد من شرّفت كتابي بخدمته ، وبنيت تأليفي على أداء شكر نعمته ، ونصبت نفسي لأقف ببابه الأعلى ، وأتزين بلثم تربته فأنا العبد وهو المولى ؛ عماد الأنام ، والظل الممدود على المسلمين والإسلام ، ونعمة اللّه التي هي من أفضل النعم الجسام ؛ منفق سوق المعارف ، ومفجر بحور المنن والعوارف ، والمجير بفضله وعدله من المفاقر الفادحة والمخاوف ، سيدنا الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبو عبد اللّه ابن إمام الأئمة الراشدين وولي عهده سيدنا الأمير الأجل أبو يعقوب ، أيد اللّه سلطانهم ، وأيد بيضتهم وحزبهم ، وجمع القلوب على الانقياد لهم ، والوجوه على التوجه قبلهم . وهذا الكتاب وإن كان المعبر عن حسنه ، والغاية الملتمسة في فنّه ، والجامع لما افترق في سواه ، والمبرّز بما وشحه من الزيادات وحلاه ، فإنه لم يتم جماله ولا استوفى احتواءه على الفوائد واشتماله ، إلا ببركة مولانا الخليفة ، واقترن اسمه الكريم باسم ولي عهده المستحق للتقديم في الصحيفة فالحمد للّه على التوفيق لخدمتهم ، والمعونة على شكر نعمتهم ، والتعرض لخيري الدنيا والآخرة في ظل حرمتهم . وقد بذلت في الخدمة جهدي ، وأبرزت من فوائد هذا التّأليف أنفس ما عندي ، ولم